السيد محمد الصدر
212
منة المنان في الدفاع عن القرآن
ولا يقال : الأقربون أولى بالمعروف في كتاب الله ، فالأولويّة عكس ما قلناه ، ولا أولويّة للبعيد . قلنا : هذا تشريعٌ صحيحٌ يصدق مع تعدّد المطعم ، يعني : لو أعطى الأغنياء الفقراء القريبين منهم لما بقي فقيرٌ . كما يقال : لو كنس كلّ واحدٍ أمام داره لنظف البلد . وهذا لا يكون إلّا مع عموم التطبيق والطاعة للتشريع . ومن الصحيح أنَّ التشريع نزل متماسكاً أي : ليطبّق دفعةً واحدةً ، إلّا أنَّ هذه حكمةٌ وليست علّةً . فإذا لم يكن في البلد إلّا مطعمٌ واحدٌ ، كان الكلّ محتاجين ، ولا يكون القريب أولى ، بل الأشدّ حاجةً هو الأولى . فالمهمّ اتّصافه باليتيم أو بالمسكين لا القرب . وهذا معنى ما قلناه من إلغاء معنى القرب إلّا لمجرد التسهيل على المكلّف أو أولويّة الآخرين في المدح . * * * * قوله تعالى : أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ : فسّر المسكين في ( الميزان ) بشديد الفقر « 1 » ، وهو تسامحٌ في الفهم ؛ لأنَّ المسكنة في اللغة من الذلّة ، ولا تعطي معنى الفقر إطلاقاً في اللغة . ولكن الغالب أنَّ الفرد يكون ذليلًا بسبب الفقر ، وليس كلّ فقرٍ مذلًا ، بل هو شدّة الفقر وسوء الحال . إلّا أنَّ الشدّة في الآية لم تستفد من ذلك بل من قوله : ( ذا متربة ) ولم يفسّرها إطلاقاً في الميزان . ومادّتها التراب وهيئتها المكان ، أي : مكان مترب أو ترابي بحيث لا يكون للمسكين قماش يقيه عن الأرض كلّها أو بعضها . وهذه أيضاً مبالغةٌ في التسهيل ، وإلّا فإنَّه ينبغي العطاء دون ذلك ،
--> ( 1 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 293 : 20 ، تفسير سورة البلد .